محمد هادي معرفة

56

التمهيد في علوم القرآن

( صلى اللّه عليه وآله ) فكان يأتيه الوحي تارة في المنام ، وهذا - أكثريا - كان في بدء نبوّته . وأخرى وحيا مباشريّا من جانب اللّه ، بلا توسيط ملك . وثالثة مع توسيط جبرئيل عليه السلام . غير أنّ الوحي القرآني كان يخصّ الأخيرين إمّا مباشرة أو على يد ملك . وإليك بعض التفصيل : 1 - الرؤيا الصادقة : كان أوّل ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصادقة ، كان ( صلى اللّه عليه وآله ) لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصبح - وهو كناية عن تشعشع نورانيّ كان ينكشف لروحه المقدّسة ، تمهيدا لإفاضة روح القدس عليه صلوات اللّه عليه وآله - ثم حبّب إليه الخلاء ، فكان يخلو بغار حراء يتحنّث فيه « 1 » ، الليالي أولات العدد ، قبل أن يرجع إلى أهله ، ويتزوّد لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة فتزوّده لمثلها « 2 » ، حتى فجأه الحقّ ، وهو في غار حراء : جاءه الملك فقال : « أقرأ . . . » « 3 » . قال علي بن إبراهيم القميّ : « إن النبي ( صلّى اللّه عليه وآله وسلم ) لمّا أتى له سبع وثلاثون سنة ، كان يرى في منامه كأنّ آتيا يأتيه ، فيقول : يا رسول اللّه . ومضت عليه برهة من الزمن وهو على ذلك يكتمه ، وإذا هو في بعض الأيّام يرعى غنما لأبي طالب في شعب الجبال إذ رأى شخصا يقول له : يا رسول اللّه ، فقال له : من أنت ؟ قال : أنا جبرئيل أرسلني اللّه إليك ليتّخذك رسولا . . . » « 4 » .

--> ( 1 ) التحنّث : التحنّف ، وهو الميل إلى الحنيفيّة ، كناية عن التعبّد الذي هو مطهرة للعبد ، قال ابن هشام : تقول العرب : التحنّث والتحنّف ، فيبدلون الفاء من الثاء ، كما في جدث وجدف أي القبر . قال : وحدّثني أبو عبيدة أنّ العرب تقول : فمّ في موضع ثم ، راجع السيرة : ج 1 ص 251 . ( 2 ) التزوّد : استصحاب الزاد . ( 3 ) صحيح البخاري : ج 1 ص 3 . وصحيح مسلم : ج 1 ص 97 . وتاريخ الطبري : ج 2 ص 298 . ( 4 ) بحار الأنوار : ج 18 ص 184 ح 14 و 194 ح 30 .